عبد الرحمن بن محمد البكري

66

الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار

لوجودهم حقيقة من شاهدوه ، وحضورهم لمن خاطبوه ، وقيامهم لمن راقبوه ، وانبساطهم لمن أحبوه ، وآثروه . وقال : الخصوص في مقامات الذكر على درجتين ، ذاكر لربه بوجود خوف مقته بالإقامة على ذكره ، وذاكر لربه بوجود رجاء روح قربه على الانزعاج عنه لما فيه لخلقه ، والإقامة عليه منه له في فنائه ، وبقائه ، فالأول طالب ، والثاني مطلوب ، والثاني : جالس منبسط ، والأول قائم منقبض . وقال : لا يوازى مقام من يريد أن يستغنى بحظه درجة من يراد بالغناء ليباهى به في العلاء عند ربه « 1 » . وقال : أبى اللّه سبحانه أن يفتح عيون قلوب المترقبين من أبناء الدنيا إلى فهم حقيقة ما وجد العارفون من أبناء الآخرة ، وخطر أن يخرج عبدا

--> ( 1 ) قال الشيخ ابن عربى : في منزل الفاني عن الذكر بالمذكور : اعلم يا بنى جردك اللّه من كل كون وتكنفك بجناح الغيرة والصون ، إن القلب الذي تمر عليه هذه الأسرار أسرار الشهداء ويعاين من الملكوتين هذا القدر العظيم إذا عاينها مسخرة تحت فهو مسخرها كنفسه ، فلا يعرج لها من جهة الوقوف معها ، ولكن يجعلها كالمعونة لما ألهمه متعلقة به مرتقية إليه ، فإذا استمر عليه هذا وطلبته الملائكة معها فلم تجده إلا مشغولا بأعلى من ذلك ، وعرف الحق صدق ذلك الطالب والتوجه اختطفه على كل كون خارج عنه ، ثم أوقفه مع أكوانه فذلك حظه ، ويكون برزخي الموقف ، فإن لم يقف ونظرها كما نظر الآخرين اختطف عن أكوان نفسه ، وعن ملاحظة كل كون أصلا ، وهذا المقام الذي أشار إليه صاحب المواقف . وقال لي : كل جزء من الكون حجاب ، فإذا حصل القلب واختلف بالكلية ، وفنى بالمذكور عن الذكر ارتاحت الأسرار لطالبه ، واشتاق الملأ الأعلى لتسبيحه فضرب بينه وبينهم سبعون ألف حجاب إلهية ، يقف دون المشتاقين إليه ، فإن وقف هنا كان هذا مقامه لا يبرح منه ، فإن فنى عن المذكور بالذكر ضرب بينه وبين صاحب المقام الأول سبعمائة ألف حجاب ، وأما ما يحصل له من هذه المقامات فلا يمكن أن يوصف ولا يحد إذ ليس ثمة ما يشبهه ولا ما يقاس منزل الفاني عن المذكور للمذكور لا بالمذكور وهو أعلى الفناء ، وهنا المنتهى ، وليس وراء هذا مرمى ليرام ، ولكي يقع فيه التفاضل بين الرسل في نمطهم والأنبياء في نمطهم ، والأولياء في نمطهم ، وكل له شرب معلوم ينال الأعلى ما نال الأدنى وزيادة . انظر : مواقع النجوم ( ص 154 ، 155 ) .